العلم في الصغر
كتبهاSalah Aljbour ، في 7 كانون الأول 2006 الساعة: 12:24 م
قديما قالوا "العلم في الصغر كالنقش في الحجر". ومما يتذكره الجميع عن بعض تفاصيل العملية التعليمية ما كان يحدث عندما يطلب المعلم من التلميذ بحثا عن صلاح الدين او عمر بن الخطاب… إذ كان الطالب يسأل المعلم: "كم صفحة يا استاذ؟". ولأن الكتابة "بتغلّب" وتأخذ وقتا، فإنه يسأل أيضا: "كم علامة عليه؟"، ليرى قدرته على التضحية بالعلامات.
اما من يقرر الكتابة، فيبحث عن كتاب او قصة عن بطل البحث في مكتب المدرسة او الجامع، او يذهب الى مكتبة في السوق ليشتري قصة ومعها عددا من اوراق الـ"فولسكاب" المسطر، وقلم حبر احمر يستعمل لكتابة العناوين الفرعية، ليعود الى البيت ويبدأ "بالنسخ"، مع بعض التعديلات! وعندما ينتهي، يكون على الاقل قد قرأ القصة، ومارس مهارة النسخ، أي المحصلة أن الطالب قرأ ونسخ، وقدم بحثا، وإن كان شكليا.
اليوم، في زمن التكنولوجيا، ضاعت حتى هذه المهارات البسيطة. فالمعلم في المدرسة، او حتى في الجامعة، عندما يطلب بحثا يذهب بعض الطلبة الى بعض المحلات، ويعطونها اسم البحث وعدد الصفحات المطلوبة، ليأتوا بعد وقت ويتسلمونه جاهزا، فنكون قد حصلنا نظريا على ابحاث، لكن من دون ان يكتبها او يقرأها احد. فلا الطالب كتب، ولا حتى نسخ أو قرأ، ولا المعلم قرأ أيضا، لانه يرى بحثا مطبوعا عن الكمبيوتر، ونسجل في العملية التعليمية نشاطا يسمى "البحث"!
والقضايا التعليمية مترابطة، فعندما يصبح جزء من التعليم يعني الذهاب الى مركز للكمبيوتر "وشراء" البحث، من دون أن يكلف ذلك الطالب سوى إعطاء "المقادير"، من اسم البحث وعدد الصفحات، فإننا نكون كمن يذهب الى المطعم ويطلب بيتزا بالخضراوات او غيرها، لكننا نسجل في الاوراق ان مدارسنا او جامعاتنا تطلب ابحاثا.
البحث جزء من منظومة المهارات الاساسية، كما القراءة والكتابة والحساب، والتي تحتاج الى مراجعة وقياس لمدى تمكن طلبتنا منها. وعندما كتبت قبل اسبوعين عن مشكلة احدى مدارس العقبة المتمثلة في وجود 120 طالبا فيها، من الصف الرابع إلى الصف السادس، لا يجيدون القراءة والكتابة، تلقيت العديد من الهواتف من اردنيين يتحدثون عن المشكلة ذاتها في مناطق اخرى؛ احدهم يقول انه وضع طفله في مدرسة خاصة قريبة من قريته، لكنه اكتشف بعد عامين ان ابنه لم تنفعه المدرسة الخاصة في اتقان المهارات الاساسية، فذهب به الى مدرسة حكومية حيث وجد الحال نفسه! وسيدة مثقفة متابعة تتحدث عن مدرسة في منطقتها يغيب عنها عدد من المعلمين، بعضهم للتجارة بالحلال، والبعض الآخر اهمالا.
قضيتنا الاساسية اتقان المهارات الاساسية التي نشارك جميعنا في تحويلها الى كماليات؛ فاللغة العربية ليست مشكلة قسم من طلبتنا في عدم اتقانهم القراءة والكتابة بها اساسا، لكن المشكلة عامة؛ ففي مدارسنا وحتى جامعاتنا ضعف او غياب في القدرة على قراءة النص العربي بلغة سليمة! فالألسنة غير سوية، وكلنا نحكي بالعامية، لكن شبابنا يفتقدون القدرة على القراءة بالعربية، فلا يستطيع بعضهم ان يقرأ من دون ان يرتكب الكثير الكثير من الاخطاء. ولهذا، يكون طبيعيا الهروب إلى الخلط بين العامية وكلمات انجليزية، لان ذلك هو أحد مظاهر مشكلة العلاقة مع القراءة.
نظامنا التعليمي ليست مشكلته في ان يدرس الشاب تخصصا لا يجد له وظيفة، فلن نذهب جميعا نحو قسم الحاسوب ومعلم الصف، والتنوع صفة المجتمعات؛ لكن مشكلتنا الاساسية في اننا تجاهلنا نقاط ضعفنا في الاساسيات، وصرفنا جهدا كبيرا في مجالات اخرى. والمعلم والطالب والجميع يعملون بعقلية الموظف، الا من رحم الله، وقد اهملنا المعلم الذي عليه واجب تعليم الطالب الحروف ونطق الكلمات، والقراءة، والحساب، فهو اهم من منظري الكماليات التربوية.
اذا كانت الدولة تنفق مئات الملايين في التطوير، وهذا امر يحسب لها، فان الضرورة كبيرة للعودة الى اساسيات العملية التعليمية، واختيار قدرات طلبتنا ومناهجنا ومعلمينا، وبخاصة الاجيال الجديدة التي تضررت من المراحل الحالية. فاذا كان الطالب لا يتقن القراءة فهذه مشكلة، اما ان يكون المعلم هو من لا يتقن قراءة العربية السليمة فهذه كارثة!
ما بين بحث صلاح الدين، من زمن النسخ وقراءة القصة، الى زمن شرائه من دون قراءة وكتابة من "دكانة الابحاث"، غياب للنقش في الحجر الذي يأتي مع التعليم في الصغر، وهناك ايضا مشكلة منهجية التعليم والتعلم. فحتى بعض بحوث هذه الايام لا يتم تصحيحها، لان المعلم يعلم انها ليست من صنع الطالب، فالعلامة لمن يشتري البحث، اما زمان فكان المعلم يقرأ ويصحح حتى لو بضعة اسطر.
مقال للأستاذ سميح المعايطة منشور في جريدة الغد الأردنية - الخميس 7 كانون أول 2006م*
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : General, Jordan | السمات:General, Jordan
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























ديسمبر 7th, 2006 at 7 ديسمبر 2006 12:36 م
المطلوب اعادة النظر في العملية التعليمية، فاسثمارنا الحقيقي يكمن في تنمية مواردنا البشرية من خلال نظام تعليمي فعال!
ديسمبر 8th, 2006 at 8 ديسمبر 2006 5:06 م
I used to be a teacher at high school. I knew from experience how the students and the teachers are suffering with the non working system. The ministry of education is talking about developement and we still need to work on the basics. I wish they spend the million of dolars on making the class room a place where young children would like to learn and have fun during the whole process, rather than thinking of bringing computers to schools that are broken most of the time. Do not put more load on teachers, try to help them financially and emotionally by giving them the apprecciation they deserve. children are the seeds for tomorrow and if we didn’t invest in them properly we are all going back, way back.. Thanks for bringing this topic.
ديسمبر 8th, 2006 at 8 ديسمبر 2006 6:26 م
Thanks Bushra for your interaction…I agree with you…The problem is not with the pupiles and/or teachers..It is the educational System as a whole…Evaluation of the effectiveness of any educational tool should take place regularly. Conclusions drawn from these evaluations should guide the decision-makers in proposing and applying appropirate solutions…
We don’t want to supply computers to school that does not have electrcity at first!!!
Best regards,